هشام جعيط
118
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
السنوات الأولى من تأسيس الكوفة حيث شاع عدم الاستقرار ، وحيث صمم كل شيء بالنظر للعمليات العسكرية في العراق والشام ، فلم يذكر الطبري الآري إلّا عندما تعرض للنجدات التي وجهها أهل الكوفة إلى حمص « 1 » . وما هو ذو دلالة أيضا أن اليعقوبي رتب إقطاع الآري هذا بين جملة من الإقطاعات الأخرى التي وهبها عمر لكبار الصحابة ، وهي إقطاعات صالحة لبناء دور تقع داخل المساحة المركزية « 2 » . في الإمكان أن يدور النقاش حول واقعها التاريخي ، وفيما يخصني لا أعتقد أنه كان صحيحا ، نظرا لأن فكرة القطيعة تبدو استثنائية في خلافة عمر ، في حين أن اليعقوبي يتحدث عنها وكأنها ظاهرة عادية متصلة بالخطط القبلية ذاتها . ومن الواضح أيضا أن كل ما ينسبه اليعقوبي أو يكاد في هذا الميدان ، إلى المبادرة الشخصية وما يشبه الملكية عند عمر ، كان نتيجة لتطور طويل ظهر بعد ذلك . لكن الأهمية المتعلّقة بتحديد مكان الآري ضمن المساحة العمومية تكمن في كونه يرتبه عن خطأ أم لا ، ضمن مجموعة الإقطاعات التي تمت بدون استثناء في المساحة المركزية أو في المدينة . وبذلك يكون الآري في الصحن تماما ، بمكان ما جنوب القصر والمسجد « 3 » ، يقع حسب المرجح في زاويتين بالجنوب الغربي والجنوب الشرقي ، وهو مقسوم إلى نصفين . على أنّه من الصعب أن نعرّف وظيفة الآري بأنّه مرعى مفتوح ، بل الأولى أن يكون مكانا لتجميع الخيل . الواقع أن سيفا لم يستخدم كلمة رعى بل استعمل ( يشتّيها ) لكي يكون دقيقا « 4 » ، وقابلها بخصوص العاقول بكلمة « يربّعها » . إنّ المعجم العربي مرتبط بنمط الحياة الرعوية ، فتمادى في واقع مغاير ، هو واقع الفضاء الضيق الثابت الموظف إلى أقصى حد . وبذلك يشكل الآري حظيرة للخيل تقع في المساحة المركزية كعنصر للتنظيم العسكري المدرج في المجال إدراجا تاما دقيقا « 5 » . دلالة المركز : قلنا إن الحركة الرمزية التي سطرت حدود المساحة المركزية لم تكن تتصف بشيء من القداسة ، بل بشيء عريق في القدم . وهي التي دحرت إلى ما وراء الصحن الحياة الدّنيوية
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 50 - 51 . ( 2 ) كتاب البلدان ، ص 310 - 311 . ( 3 ) هذا ما يمكن استنتاجه من التحديد اللاحق لدار أبي موسى الأشعري ( إلى الجنوب الشرقي ) ، ومسجد بني مخزوم من قبيلة عبس : الطبري ، ج 6 ، ص 105 - 106 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 52 . ( 5 ) كلمة آري مأخوذة عن الفارسية آريات التي تعني « الحبل الطويل الذي يربط الماشية على خطّ واحد . راجع : . Desmaisons , Dictionnaire Persan - franc ? ais , Paris , 1908 , I , p . 60 . ومن الواضح أن المقصود هنا هو الفسحة المسيّجة حيث تجمّع الخيل . وقد بقي اللّفظ في اللهجات المغربية ليعني الإصطبل .